الأحد، 19 يناير 2014

القيم بين التأصيل والتنـزيل


رياض أدهمي
تتقاطع الأدوار والمهمات التي يقوم بها الناس ، وما لم يتم الوعي والفهم لطبيعة هذه الأدوار و تلك المهمات فإن الفرصة لسوء الفهم و سوء الظن و التقاطع و التدابر بين فصائل المسلمين ستزداد يوماً بعد يوم .

فالمعلم و المربي – على سبيل المثال – يبينون للناس القيم و يدفعونهم للوصول إلى القمة و يضربون لهم الأمثلة من حياة السلف الصالح و الرعيل الأول و يرغبونهم في الخير و الاقتراب من المثل الأعلى .

والمفتي والمفكر والخبير الاجتماعي و القائد – من جانب آخر - لا تغيب عنهم – في الأغلب - القيم التي يبشر بها المعلمون و المربون ، و لكن في محاولتهم لتنـزيل هذه القيم على الواقع و اختيار البرامج العملية  يستصحبون صورة المجتمع و التيارات التي تسري فيه ، و يراعون اختلاف طبائع الناس و تفاوت قدراتهم على تحقيق القيم و المثل العليا ، فيختارون من هذه القيم والمثل مقادير وجرعات تتناسب باجتهادهم مع الواقع و لا تعرض الأمة إلى أزمة و تدفعها خطوة باتجاه القمة بقدر ما تتحمل و بقدر ما تطيق . و مع ذلك، يبقى دور المربي و المعلم مهماً و أصيلاً للتذكير بالقمة حتى لا يحسب الناس أن ما هم عليه في مرحلة من المراحل و في ظرف من الظروف هو نهاية المطاف و غاية الأمل .

 وهنا تأتي الفرصة لسوء الفهم و سوء الظن ، فعندما تحسب طائفة من الناس أن إرشاد المعلم و المربي و خطبة الواعظ هي أحكام عملية نهائية لا يجوز التنازل عنها إلا تحت أوصاف الفسق و الضلال أو البدعة و الانحلال ، يسوء ظنهم بالمفتي و المفكر و الخبير الاجتماعي و القائد و يحشرون جميعاً في صنف هذه الأوصاف وأشباهها  فتقع الفتنة و التفرق و الاختلاف.

 وعندما يظن المفتي و المفكر و الخبير و القائد أن ما اختاروه من جرعات تناسب واقعهم الذي يعالجونه يمثل نهاية المطاف و أن أي دعوة إلى المزيد و إلى درجات أعلى من الالتزام أو الاقتراب من القمة تمثل الغلو والتطرف و التنطع و ما إلى ذلك ، عندما يحدث هذا تقع الفتنة و التفرق والاختلاف .

إن الفهم لما يمثله المعلم و المربي من جانب ، ولما يمثله المفتي والمفكر والقائد من جانب آخر ضروري لتتكامل الأدوار و تتساند الجهود وتتوحد الصفوف و نبتعد عن سوء الظن و التحامل .

حضرت مرة محاضرةً تعرض فيها المحاضر إلى إجراء مقارنة بين الأحاديث النبوية التي تصف فعل النبي صلى الله عليه و سلم من أنه زوّج بعض أصحابه على خاتم من حديد أو على ما يحفظ من القرآن ، و بين ما اشترطه الفقهاء من شروط الكفاءة في عشيرة الزوج و مهنته و  ماله و المهر المماثل لمهر فتاة من عشيرة الزوجة ، وما إلى ذلك . و توصل المحاضر بعد هذه المقارنة إلى أن ما قرره الإمام أبو حنيفة في موضوع الكفاءة لا علاقة له بهدي النبوة وإرشادات القرآن الكريم التي تبين أساس التفاضل بين الناس بقوله تعإلى " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " . و أنه لا أساس  ولا صحة لما أطال فيه الفقهاء من شروط تؤصل طبقية لا يعرفها الإسلام.

فكرت فيما أطال فيه المحاضر و ما توصل إليه فعلمت أن ما حمله على التحامل على الأئمة هو الخلط بين دور المربي و المعلم و بين دور المفتي ودور القائد في الأمة . فتوجيهات القرآن الكريم  و فعل النبي صلى الله عليه و سلم تمثل الهدف السامي الذي تتطلع إليه أجيال الأمة في حركتها لتزكية حياتها لتقترب من المثل الأعلى بقدر استطاعتها ، و أما ما يقرره الأئمة و المفتون فلا يعدو أن يكون شهادة منهم بأن المجتمع و الأعراف التي يعيشها الناس في بيئتهم التي يعرفونها تقيم وزناً لمثل هذا التفاضل في النسب و المهنة و غيرها بحيث لا يمكن أن تتحقق مقاصد عقد الزواج من التواصل و التقارب و التراحم والتمكين لنظام الأسرة و صلة الأرحام و بناء العلاقات الاجتماعية المستقرة في غياب أو تجاهل الضغوط التي يفرضها العرف . فالشروط التي يضعها الفقهاء تمثل رؤية لما يحقق المقاصد في إطار اجتماعي معين وليس تقريراً نهائياً لما يجب أن تكون عليه القيم الحاكمة في الموضوع.

وليس فهم ما يقوله المفتي – في ظرف من الظروف - على أنه يمثل المثل الأعلى والقيم الحاكمة بأقل ضرراً من اعتبار توجيهات المعلم أو المربي على سبيل الترغيب أو الندب على أنها تمثل الواجب في كل حال بغض النظر عن الواقع أو العرف .

وقد يكون من أوضح الأمثلة على ما يمكن أن يؤدي إليه الخلط بين دور المربي أو المعلم ودور المفتي ، تلك القطيعة و سوء الظن بين شرائح من العاملين للإسلام الذين يريدون إحياء دور الأمة في ممارسة السلطة و تداولها من خلال تربية الأمة على الشورى و من خلال إقرار المشروعية العليا في الأمة لقيم القرآن و السنة ، و بين شريحة من علماء الشريعة الذين يحسبون أن ما قرره بعض الأئمة أو المفتون زمان ضعف الأمة و انهيار مؤسساتها يصلحُ حكماً عاماً يجب أن ينسحب على جميع أجيال المسلمين إلى قيام الساعة و إلا فهي الفتنة والخروج عن ما قرره أو أقره العلماء !

ومن أشنع الأمثلة على الخلط بين كلام المفتي الذي يعكس أزمة أو حالة تاريخية معينة و بين القيم الحاكمة و المثل العليا ، ما يتردد من فتوى الشيخ ابن تيمية رحمه الله بشأن بعض الطوائف وأنه لابد من قتلهم و أنه لا تقبل منهم توبة و ذلك لتورطهم في العمل لصالح التتار الغزاة و اغتيال قادة الأمة و رموز جهادها ذلك الزمان ، فيحسب طائفة من الغلاة و الجامدين على الفتاوى من الكتب أن هذه الفتوى – التي يجب أن تفهم في إطارها التاريخي  – تمثل القيمة العليا و التعاليم التي يبشر بها الإسلام و تحكم نظرته في التعامل مع المخالفين .

 ويستطيع المرء أن يأتي بالكثير من الأمثلة التي تؤكد وجود هذا الخلط في طريقة التعامل مع التراث و فهم كلام الأقدمين و مقتضياته و متعلقاته .

ولعل من المفيد أن نذكر أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يمثل في ذات الوقت المعلم و المربي و المفتي و القائد ، فكان صلى الله عليه و سلم يبين للناس ويعلمهم و يزكيهم و يأخذ بأيديهم إلى ما يقربهم من الكمال الإنساني ، حتى إذا ما جاءه سائل مستفتياً أو مسترشداً إلى ما يصلحه في خاصة نفسه أشار عليه صلى الله عليه و سلم إلى ما يصلحه بما يناسب حاله مما يمثل خطوة على طريق الكمال الإنساني  و التمثل للإرشادات العامة . فقول النبي صلى الله عليه و سلم لمن جاء يستأذنه في الجهاد : أحيٌ والداك ؟ فقال نعم ، فقال صلى الله عليه و سلم : ففيهما فجاهد ، هذا القول يمثل الفتوى التي يجب أن تفهم في سياق حال السائل و ملابسات حياته ، و لا تعارض و لا تناقض مع كل ما كان النبي صلى الله عليه و سلم يقرره كمعلم و يؤصله كمربي من ضرورة الجهاد و أهميته في حياة الأمة .

وكم يُصاب المسلمون بالخيبة و الإحباط عندما يقعون في أزمة أو تطحنهم مشكلة فيلجأون إلى أهل الرأي و النظر و أهل العلم بالشريعة يسألون عن مخرج و حل لما هم فيه فلا يسمعون إلا المواعظ و الخطب .

إن الهروب من دور القائد و الرائد إلى دور الواعظ و المعلم أصبح مرض الذين جفت قرائحهم عن استنباط الجديد و غلب عليهم ورعٌ بارد حملهم على الخوف من مخالفة الأقدمين فانسحبوا إلى مسارب الوعظ و منابر الخطابة التي لا تتصل بالواقع و لا تتحسس المواجع ، وذلك بدلاً من مواجهة المتغير بما يحقق أهداف الشريعة و يؤصل مقاصدها ، فإذا بالناس تُفتن في دينها وتطلب المخرج بآراء  مشرق أو مغرب بعيداً عن شرع الله.

ومن طريف ما نقل في كتب الأدب مما له صلة بالخلط بين دور المعلم والقائد ما ذُكر عن الحجاج بن يوسف أنه مرَّ مع أبيه عندما كان صغيراً على مجلس يتذاكرون فيه أخبار أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما – فأشار على أبيه بأن تمنع مثل هذه المجالس لأنها حسرة للأمراء و فتنة للناس .

والخلاصة أن الشرط الأساسي لتكامل أدوار الوظائف المختلفة في الأمة يتمثل في إدراك طبيعة وخصوصية كل واحدٍ من تلك الأدوار ، وفي عدم الخلط بينها ليس فقط في أذهان الناس ، وإنما الأهم من ذلك في أذهان أصحابها ، لأن كثيراً من ذلك الخلط في أذهان الناس إنما يتشكل ثم يتراكم بأثر الفهم المغلوط لبعض تلك الأدوار عند من يقوم بها في أول الأمر .

وعندما يتحصل هذا الفهم ، ويدرك أصحاب الأدوار طبيعة مهماتهم وإمكاناتهم كلٌ في موقعه ، ويدرك الناس تلك الحقيقة ، يبدأ التكامل في البناء دوره المتميز بعيداً عن التنافس والتدابر والتخالف ، وتحقيقاً لما فيه مصلحة الأمة على جميع المستويات.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نرجو افادتنا واغنائنا بتعليقاتكم

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة