إيجاز / د. جاسر عـودة / ختم الله برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وجعل كتابه مهيمنًا على ما قبله من كتب؛ فإن هذا عني بالضرورة أن الشريعةَ التي جاء بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لابد وأن تكون مستوعبة وشاملة وصالحة لكل زمان ومكان، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[النحل:89].
وكما هو معلوم عند أهلِ العلم أن الأحكام الشرعية منها ما هو منصوصٌ على حكمه، ومنها ما لم يُنص على حكمه. وهذا النوع الثاني يحتاج إلى اجتهاد واستنباط. ولأن الحوادث والنوازل غير متناهية والنصوص متناهية ـ بمعنى أنها لم تَنُص على حكم معين لكل نازلة معينة، كان لابد من الاجتهاد والاستنباط حتى يبقى الإسلام “صالحًا لكل زمان ومكان”.
لذلك فقد استفرغ الفقهاء في كل عصر وسعهم في الاجتهاد والاستنباط لمعرفة حكم الله في كل ما يحدث للناس من أقضية ومستجدات؛ حتى تظل تصرفات المكلفين في دائرة الشريعة الإسلامية وتحت راية مقاصدها العليا ومعانيها السامية. وبمرور الزمن، يحدث للناس من الأقضية والمعاملات ما لم يكن لهم به عهدٌ وقت نزول النصوص؛ وكلها يحتاج إلى معرفة حكم الله فيه. لذلك تأكدت الحاجة للاجتهاد والاستنباط من العلماء؛ حتى يتحقق أكبر قدر ممكن من انضباط الفتوى وسلامتها من الأخطاء.
ومصطلح مقاصد الشريعة يطلق على “الأهداف والغايات والمعاني العامة التي تسعى الشريعة إلى تحقيقها في حياة الناس، كما يطلق على الأهداف الخاصة التي شرع لتحقيق كل منها حكم خاص“. وتطلق كذلك بمعنى النيات، سواء نية المكلف، ولها تأثير على العبادات والمعاملات والعقوبات، أو نية الرسول صلى الله عليه وسلم في تصرفاته – تشريعًا أو قضاءً أو سياسة أو جبلة – إلى آخر ماذكر أهل العلم في هذا الباب.
أما المقاصد العامة، فهي “المصالح التي استهدفتها الشريعة بما يعود على العباد بالخير في دنياهم وأخراهم، مثل حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، والعرض“. وأما المقاصد الشرعية الخاصة: هي “المعاني التي لوحظت في باب من أبواب التشريع المخصوصة، مثل مقصد عدم الإضرار بالمرأة في باب الأسرة، ومقصد الردع في باب العقوبات، ومقصد منع الغرر في باب المعاملات المالية، وهكذا“.
وقد تكون المقاصد جزئية بمعنى الِحَكم والأسرار التي راعاها الشارع في حكم بعينه متعلق بالجزئيات، كمقصد توخي الصدق والضبط في مسألة عدد الشهود وأوصافهم، أو مقصد رفع المشقة والحرج في الترخيص بالفطر لمن لا يطيق الصوم، أو مقصد التكافل بين المسلمين في عدم إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث، أو مقصد الحفاظ على سلامة الناس في الأمر بقتل الكلب العقور، أو مقصد النظافة في غسل النجاسات، وهكذا.
والمقاصد كما قالوا: أُسُّ باب الاجتهاد، وعدّها الإمام الشاطبي رحمه الله الشرط الأول من شروطه. ولابد للمجتهد من معرفة المقاصد، حتى لا يخرج في حكمه على القضايا المستجدة عن حيز الشريعة نفسها. كتب ابن القيم تحت عنوان “فصل في تغير الفتوى بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد” – كتب يقول: “الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، ومصلحة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل”.
وهذه المقالات تعرض لنوعين من أنواع التجديد المنشود من مدخل مقاصدي؛ أولهما: التجديد في نظرية المقاصد الشرعية نفسها (وهو ما نتناوله في هذا المقال)، وثانيهما: التجديد النظري في أصول الفقه باعتبار المقاصد.
أولًا: التجديد في تصور المقاصد الشرعية:
المقَاصد هي: “المعاني التي قصد الشارع إلى تحقيقها من وراء تشريعاته وأحكامه، والتي يستقريها العلماء المجتهدون من النصوص الشرعية“. واجتهد العلماء المقاصديون على مر العصور في وضع المقاصد المستقراة في أنساق محددة. أما النَسَقُ التقليدي لتَصْنيفِ المقاصدِ، والذي أبدعه الإمام الجويني في “برهانه” وطوره الإمام الغزالي في “مستصفاه” ثم أفاض الإمام الشاطبي في شرحه في “موافقاته”، فهو هرم مترابط من الأهداف:
•في قاعدته الضرورات المعروفة التي استهدفتها الشريعة بما يعود على العباد بالخير في دنياهم وأخراهم، من حفظ للدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، والعرض.
•الحاجيات.
•التحسينيات.
وقد جرى عدد كبير من العلماء على هذا التقسيم حين تحدثوا عن تعريفهم للمصالح.
أما العلماء المعاصرون، فنجد عندهم محاولات تجديدية تقترح أنساقًا مقاصدية رأوا أنها أولى بتحقيق مفهوم “المصلحة” في واقعنا المعاصر. فمثلًا، أَوْلَى شيخ الزيتونة الطاهر ابن عاشور “المقاصد الاجتماعية” اهتمامًا خاصًا ظهر في النسق الذي اقترحه، فجعل المقصد الكلي من التشريع هو حفظ نظام الأمة، واعتبر معه مجموعة من المعاني التي سماها بالمقاصد العامة، كالسماحة والمساواة والحرية والعالمية ومراعاة الفطرة وغيرها، وقسَّم كلًا من هذه المقاصد إلى جانب خاص بالفرد وآخر خاص بالأمة، وجعل ما هو خاص بالأمة في مستوى أعلى من ما هو خاص بالأفراد.
وأما السيد رشيد رضا، فقد استقرى مقاصد القرآن في مستوى واحد مقسم إلى مجالات متعددة، وهي:
1.إصلاح أركان الدين.
2.بيان ما جهل البشر من أمر النبوة.
3.بيان أن الإسلام دين الفطرة والعقل والعلم والحكمة والبرهان والحرية والاستقلال.
4.الإصلاح الاجتماعي الإنساني السياسي.
5.التكاليف الشخصية من العبادات والمحظورات.
6.العلاقات الدولية في الإسلام.
7.الإصلاح المالي والاقتصادي.
8.دفع مفاسد الحرب.
9.إعطاء النساء حقوقهن.
10.تحرير الرقاب من الرق.
واستقرى الدكتور طه جابر العلواني من القرآن الكريم مقاصد وضعها في أصل نسق مقاصدي وسماها “المقاصد الشرعية العليا الحاكمة“، وهي التوحيد والتزكية والعمران.
وقد عرض الشيخ يوسف القرضاوي في كتابِه (كيفَ نتعامل مع القرآن الكريم) سبعةَ مقاصد للقرآن وهي:
1.تصحيح العقائد في التصورات للألوهية والرسالة والجزاء.
2.تقرير كرامة الإنسان وحقوقه.
3.الدعوة إلى عبادة الله.
4.تزكية النفس البشرية وتقويم الأخلاق.
5.تكوين الأسرة الصالحة وإنصاف المرأة.
6.بناء الأمة الشهيدة على البشرية.
7.الدعوة إلى عالم إنساني متعاون.
والشيخ محمد الغزالي رحمه الله رأى إضافة (العدل والشورى) إلى الضرورات الستة، ومال إلى أنَّ المقاصد ليست منظومة هرمية تنقسم فيها المقاصد إلى أعلى وأدنى، وإنَّما منظومة دائرية تتشابك فيها علاقات المقاصد المختلفة بعضها ببعض.
وشاع عند العلماء المعاصرين تجديد آخر في نسق المقاصد النظري عن طريق “إعادة التفسير” للمصطلح المقاصدي الموروث. فمثلًا، ذكر أبو الحسن العامري “مَزْجَرَةَ هَتْكِ السِّتْر” التي شرع لها حد الزنى في سياق إرهاصته المبكرة بالضرورات الخمس، ثم اختار إمام الحرمين الجويني في “برهانه” تعبير “عصمة الفروج” للتعبير عن نفس المعنى، ثم استخدم أبو حامد الغزالي تلميذ الجويني في “مستصفاه” تعبير “حفظ النسل”، وهو التعبير الذي تبناه الشاطبي في “موافقاته”. ولكن الشيخ القرضاوي قدم إبداعًا نوعيًا في هذا الباب حين أدرج “تكوين الأسرة الصالحة” في مقاصد الشريعة الإسلامية بشكل مباشر. وإذا جاز الحديث عن “حفظ الأسرة” فهذا لا يعني أن تُلغى “مزجرة هتك الستر” أو تسقط “عصمة الفروج” أو يُتناسى “حفظ النسل”، وإنما يعني أن يكون تحقيق هذه المصالح الفردية والجماعية جزء من بناء الأسرة وفي إطارها، وهو أَوْلَى لتحقيق المصلحة في عصرنا، إذ لا يخفَى أن إعطاء هذه الأولوية لمصلحة الأسرة يعزِّزُ من حقوقِ المرأة -التي تحتاج إلى دعم إذا ما استقرَيْنا الواقعَ المعاصر- وحقوقِ الأولاد الذين هم عماد مستقبل المجتمع والأمة، ويحميهم جميعًا من التعسف والبخس. وبهذا التطوير للمصطلح المقاصدي تُوظَّف الشريعة في خدمة قضايا الأمة ومصالحها المعاصرة.
وتكلم العامري كذلك عن مقصِد سماه “مَزْجَرَةَ أَخْذِ المال” التي شُرِعَتْ لها حدود السرقة والحِرابة، وكان تعبير إمام الحرمين في نفس المعنى هو مصطلح “عصمة الأموال”، ثم طوَّرَ أبو حامد الغزالي ذلك المعنى في “مستصفاه” إلى جزء من نظرية الحفظ عنده وسماه “حفظ المال”، وأصَّل الشاطبي لنفس المعنى في “موافقاته”. أما في العصر الحديث، فقد توسع مفهوم المال ليشمل مفهوم القيمة التي ترتبط بالتداول الاقتصادي. وعبرت عن هذا التطور نظريات التمويل الإسلامي التي زاد البحث العلمي الجاد فيها خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة بعد ظهور مشاريع البنوك الإسلامية. ثم حدث تطور نوعي في تناول مقصد حفظ المال عند بعض المعاصرين، وأصبح مفهومًا اقتصاديًا يُلزم الدولة بتحقيق التكافل والتعادل والتقريب بين طبقات المجتمع، بالإضافة إلى ما يحفظ أموال الأفراد من الاعتداء والغصب -وهو المفهوم الأساسي.
وحفظ النفس وحفظ العرض أيضًا من المصطلحات التي عبَّرت عن تصوُّر لقيم أساسية أعربت عنها كل أجيال المقاصديين. والمصطلحات التي استخدمت في هذا الباب هي: “حفظ النفس” و”مَزْجَرَة قتل النفس” و”حفظ العرض” و”مَزْجَرَة ثلب العرض” و”حفظ النسل” -عند من ضَمَّ حفظ العرض إلى حفظ النسل في التقسيم مثل الجويني والغزالي والشاطبي. أما المعاصرون، فقد شاع بينهم في معرض الحديث عن حفظ النفس وحفظ العرض مصطلح “حفظ الكرامة البشرية” كنوع من التجديد أو التفسير لهذين المصطلحين.
ومفهوم الكرامة البشرية لصيقٌ بمفهوم “حقوق الإنسان” الذي ذكرهُ أيضًا كثير من المعاصرين في تجديدهم لمصطلح المقاصد، وهو تجديد يحاول أن يفعل المقاصد تفعيلًا يمس مشاكل الناس ويتعامل مع واقعهم.
إلا إنه من الضروري أن تُحرر مصطلحات حقوق الإنسان بشكلٍ مفصل قبل إدماجها بالمقاصد الشرعية، حتى يُفرَّق بين ما يدعو إليه الإسلام من حقوق للإنسان تتفق فعلًا مع المبادئ (الأساسية) لحقوق الإنسان العالمية، وبين بعض التفسيرات والإلحاقات لهذه الحقوق في بعض المجتمعات، والتي قد تختلف جذريًا مع ثوابت الرؤية الإسلامية. فمفهوم الحرِّية –مثلًا- قد تتعدى فيه حريّة التعبير إلى حريّة الإهانة والسخرية بالناس أو المقدسات، وحريّة اختيار الأزواج إلى حريّة الشذوذ أو الخيانة، وحريّة التصرف إلى حريّة قتل المرء نفسه أو تعاطي المخدرات. وعليه، فالأمر يحتاج إلى تحقيق حتى لا تفسَّر مفاهيم حقوق الإنسان بما يتناقض مع معايير الإسلام وثوابته، وحتى لا يطلق “مقصد حفظ حقوق الإنسان” على عواهنه ويساء استغلاله.
وقد مر حفظ العقل بتطور مماثل على مدار الأجيال، من التركيز على حد الخمر فقط لكونها مُذْهِبَةً للعقل، إلى توسيعِ ذلكَ المفهوم حتى يَشْمَل كل ما يتصل بالعقل من علم وفكر. كتَبَ الدكتور سيف عبد الفتاح يقول: “حفظُ العقل ضرورةٌ من ضرورات العمران.. حفظ العقل من كل ما يسلبه من أفكار وتسميم وغسيل مخ، وحفظه من كل ما يُذهبه لهو تعبير عن الحفظ الأساسي اللازم لكي يمارس العقل وظيفته وفاعليته”.
بل إنَّ مفهوم حفظ الدين، الذي بدأ بدوره معبرًا عن “مَزْجَرَةِ خَلْعِ البَيْضَة” بتعبير العامري الذي ارتبط بـ (حد الرِدَّة)، وانتهى بمصطلح “حِفْظ الدين” عند كل العلماء الذين كتبوا عن المقاصد من بعد، بمعنى حفظ العقائد والعبادات وغيرها من أصول الإسلام. ونشهد الآن ما يمكن أن نطلق عليه تحولًا جذريًا في تفسير هذا المفهوم، حيث يعاد تفسير “حفظ الدين” ليشمل كل الديانات بناء على أصل (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، وبذلك يتحول حفظ الدين إلى مبدأ يضمن كفالة الحريات الدينية بالمعنى المعاصر، للمسلمين وغير المسلمين، أو “حرية الاعتقادات” على حد تعبير شيخ الزيتونة ابن عاشور. وكل هذه الاجتهادات المقاصدية المعاصرة تحتاج إلى مزيد من البحث حتى تُؤصل علاقاتها بالنصوص الشرعية وترتبط مآلاتها بواقع المسلمين وما يصلحهم في هذا الزمان.
وشاع كذلك في البحث المعاصر تقسيم المقاصد إلي مستويات ثلاثة: عامة وخاصة وجزئية.
•المقاصد العامة هي المعاني التي لوحظت في جميع أحوال التشريع أو في أنواع كثيرة منها، كمقاصد السَّمَاحَة والتَيسير والعدل والحرِّية، كما مر، بل وتشمل المقاصد العامة الضرورات الخمسة المذكورة آنفًا.
•المقاصد الخاصة مصالح ومعاني لوحظت في باب من أبواب التشريع المخصوصة، مثل مقصِدِ الرَّدْعِ في باب العقوبات، ومقصِد منعِ الغَرَرِ في باب المعاملات المالية، ومقصِد عدمِ الإضرارِ بالمرأةِ في بابِ الأسرة، ومقصِد العفة في باب الزواج، وهكذا.
•المقاصد الجزئية، فهي الحِكَمِ والأسرارِ والأغراضِ التي راعاها الشارع في حكمٍ بعينه متعلِّق بالجزئيات.
ولعلي أضيف -فيما يظهر لي- أن المقاصد منظومةٌ معقدةٌ تعقيد التصور الإنساني نفسه، وأن التجديد فيها لا ينبغي أن يحصر في نسق أوليّ بسيط كالهرم أو الشجرة أو الدائرة، لأن المقاصد أقرب ما تكون لما يعرف بالمنظومة الشبكية المتعددة الأنساق والأبعاد، حسب التعبير المعاصر، أي أنه:
•يمكن النظر إليها من بُعدِ الضروراتِ والحاجياتِ والتحسينياتِ على نَسَقٍ هرميٍ، تحتل فيه الضرورات قاعدة الهرم والحاجيات وسطه والتحسينيات قمته.
•يمكن أيضًا النظر إليها من بُعد العامّ والخاص والجزئي على نسق هرمي مقلوب، تحتل فيه الجزئيات أسفل الهرم المقلوب، وتُبنى عليها أبواب الخصوصيات، ثم تُبنى العموميات على الخصوصيات.
•يمكن كذلك النظر إليها من بُعد الأسس، على نسق شجري تحتلُّ الأسس فيه موقع الساق من الشجرة والتفاصيل موقع الفروع، كأسُسِ رشيد رضا العشرة أو أسُس القرضاوي السبعة أو أسُس العلواني الثلاثة، وكل ذلك جائز في التصور، وكله عليه من الاستقراء أدلة، ولا يلزم من صحة أحد الأنساق المذكورة بطلان الآخر.
ولكن، هل يعني ذلك أن الشارع عز وجل لم يرتب المقاصد ترتيبًا معينًا في نسق تنتظم فيه؟
والجواب أن الترتيب والتنظيم والإبداع في خَلْقِ كل شيء وفي تشريع كل شيء عقيدة نؤمن بها، ولكنَّ إدراكَ المجتهدين لكل أبعادِ هذا الترتيبِ المنتظم -الذي قدْ يكون أعقد بكثير من أنساقِنا الأوليةِ البسيطةِ- أمرٌ آخر. ومثال ذلك الكونُ المرئيُّ، وقد خلقه الباري تعالى يإبداع ونظام وإحكام وتَوَازُن وما له من فطور، وكلُّ مسلمٍ يؤمن بذلك. ولكنَّ محاولاتنا -نحن البشر- لاكتشاف هذا النظام وسَبْرِ أغواره كلَّها ناقصة، وهذا ما تثبته الأيام. فعلى مدار التاريخ، كلَّما تصور علماء الطبيعة نظامًا في مجالٍ ما نتيجة اكتشافٍ ما، جاء بعد ذلك بزمن -طال أم قَصُر- اكتشافٌ آخر ليعلِّمنا أن التصور السابق كان صحيحًا جزئيًا فقط، وأنَّ درجةً أعمق من الفهم قد تقتربُ بنا من “حقيقة” النظام الكوني، وما أدراكَ ما حقيقةُ النظام الكوني! ويبدو لي أن المقاصدَ لا تخرج عن هذا المثال. نعم، لا بُدَّ للمقاصد من حَصْر وهَيكل ونَسَق، ولكنّ ما تصل إليه عقول العلماء من أنساق تصف “المصلحة” بشكل منهجي إنما هو اجتهادٌ يقبل التطور أبدًا، ولا يَلْزَمُ أن يكون هو حقيقةَ الشرع كلّها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) أستاذ مقاصد الشريعة والسياسة العامة بكلية الدراسات الإسلامية بقطر.
المصدر/ ومضة فكر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
نرجو افادتنا واغنائنا بتعليقاتكم